لكل مقام مقال

الحكيم من حَكَم لسانه إذا تكلم، وسيطر على قلمه إذا كتب. فالكلام هو مرآة ما يعتمل في قلب المرء وعقله من أفكار ومشاعر، ومن اتجاهات وقِيمَ أخلاقية، وهو إفصاح عن الركامات النفسية التي قام اللاشعور باختزانها بعيداً عن نطاق الشعور، فلا ينطق بها المرء إلا كفلتات لسان غير مقصودة، ولم يستطيع التحكُّم فيها، وثَنْيها عن الخروج إلى الواقع السلوكي الذي يبين عن حقيقة قوامه النفسي، ويُفْصح عن دخيلته، وعما يختلج لديه من تَوَجُّهات وميول.

ولنا أن نقول: إن سياسة اللسان ليست من السهولة بمكان. وبتعبير آخر فإن الكثير مما يقال يكشف النقاب عن أعماق الشخصية، التي يصعب إلجامها وتسييسها. وحتى الصوت الذي يُعَبِّر به المرء عما يرغب في الإفصاح عنه، يتلَّبس في بعض الأحيان والمواقف بما لا يكون له وقَعْ في الآذان، أو أنه يشير من طرف خفي إلى ما يعتمل في قلب المتكلم من كراهية ومقت ونبذ باتجاه من يوجه إليه الكلام.

تنقية القلب من تنقية اللسان

ومن هنا فإن أول خطوة يجب أن تتخذ بإزاء سياسة اللسان، هي تنقية النفس من أدرانها، وتخليصها مما ران عليها من رواسب عَكرة ومن ميول نحو الكراهية والمقت، ومن اعوجاج في المقاصد، ومن رغبة في النيل من الناس المحيطين بالمرء أو المتعاملين معه. فصفاء القلب ونقائه، هو الشرط اللازب حتى يخرج الكلام الذي يقوله نقيا خالصا من كل ما يُعَكْر صَفْو من يتحدث معهم. وبتعبير آخر فكلما كان المتكلم نقى السريرة، ولا يشوب نفسيته أي اعوجاج، فإن كلامه لا يخرج من اللسان ويتوقف عند حدود الآذان، بل يخرج من اللسان ويصافح القلوب التي تستقبله بسرور وابتهاج.

التنشئة الصالحة والتربية الذاتية

بيد أن صفاء النية وطهارة القلب ونقاء السريرة من أي اعوجاج، لا يكفى حتى يتسنى للكلام أن يكون سليماً وسديداً، بل لابد أن يكون المرء قد خضع للتنشئة الصالحة، بل ويكون قد أخضع نفسه لتربية ذاتية مستقيمة، وأن يكون قد تمرس بفنون الكلام الجيد، سواء كان الكلام منطوقاً به، أو مكتوباً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *