ذكر الله.. حاجة إنسانية

سيبقى لطفك يا الله بعبادك يغمر حياتهم ويرعى مصيرهم عندما تدلّهم على الطريق الذي يُؤدِّي إليك فيرفع درجتهم عندك، ويحقّق لهم السعادة لديك، في ما يوحي به ذلك كلّه من علاقة العبد بربّه وعلاقة الرب بعبده، فهناك مبادرة من الإنسان تتحرك في طريقته في التعبير عن شعوره بحضور الله في وجدانه وفي الوجود كلّه بحيث يجده في أجواء الغيب السابح في المطلق، كما لو كان في أجواء الشهود الغارق في الحسّ، فيذكره في آفاق ألوهيّته بكلّ مواقع عظمته وموارد نعمه بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، ويتحوّل الذِكر عنده إلى حقيقة حيّة في العقل والإحساس وحركته في الحياة. وهنا تلتقي المبادرة الإنسانية في خط العبودية الخاصّة المخلصة بالرحمة الإلهية فيذكر الله عبده بالرحمة واللّطف والحنان والمغفرة، كما ذكره عبده بالإخلاص والاعتراف والتوسّل والعبادة.

وهكذا أراد الله لعباده أن يذكروه ليذكرهم في ما يريد الله أن يثيره في تفكيرهم من أن نسيانهم لله في كل مواقع الحياة عندهم سيكون تأثيره لديه أن ينساهم فيهملهم في عمق مسألة المصير، وهذا ما عبّر عنه الله بقوله في حديثه عن أمثال هؤلاء في موقفهم يوم القيامة في ساعة الحساب في حوارهم مع الله “وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى” (طه:124-126)، وقوله تعالى: “نسوا الله فنسيهم” (التوبة:67).

وليست المسألة حاجة إلهية في ذكر الإنسان لربّه، بل هي حاجة إنسانية في انفتاح الإنسان على مصالحه في الحياة وفي المصير من خلال ذلك، حيث يكون نسيانه الله نسياناً لنفسه عندما يستولي عليه الشيطان في كل مصادره وموارده وذلك هو قوله تعالى: “وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ” (الحشر:19).

وبذلك يكون ذكر الله في وعي الإنسان وسيلة من وسائل ذكر الإنسان لنفسه. وإذا كان الذكر حركة في وعي الإنسان لربِّه، فإنّه يجتذب الشكر الذي يمثّل وعي الإنسان لنعم الله في حياته في كل مواقع وجوده في تفاصيلها الصغيرة والكبيرة، بحيث لا معنى له بدونها، ولا قيمة لأيّة سعادة بعيداً عنها.. وهذا هو الذي يعمّق في الإنسان إحساسه بإنسانيّته في ما يعنيه الاعتراف بالجميل من المعنى الإنساني، وذلك هو الذي يجسّد انفعاله بألطاف الله عليه. وكما هو الذكر في علاقته بمصلحة الإنسان في الداخل، كذلك الشكر في علاقته بالله في امتداد النعم عليه وزيادة فُرصِها في حياته، وهذا في مقابل الكفران والجحود ونكران الجميل في زوال النعمة عنه وتحوّلها إلى عذاب شديد، وهذا ما عبّر عنه الله سبحانه بقوله في دعوته الإنسان للشكر وتحذيره من الكفر بالنعمة: “واشكروا لي ولا تكفرون” (آل عمران:153)، وقوله تعالى: “وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ” (إبراهيم:7).

وهكذا كانت دعوة الله للإنسان إلى الذكر، ودعوته إلى الشكر وسيلة من وسائل انفتاحه على ربّه، ليبقى ذكره في وجدانه حيث يشرق الله في كلّ فكره وشعوره ليمتد حضوره عنده في مواقع المسؤولية في حياته، ولينطلق شكره له ليعمّق في ذاته الإحساس بارتباط كلّ حياته بربّه، من خلال علاقة النعم الإلهية بحياته في وعي لحاجته المطلقة إلى الله، وشعور بتلبية الله في ذلك كلّه.

ثمّ كان الدعاء الذي دعوتنا إليه – يا ربّ – الذي هو المظهر الحي للتواصل الدائم بيننا – نحن عبادك – وبنيك، فهو الذي يمثّل النجوى التي تنطلق من عمق الشعور الحيّ في قلوبنا لنتحدّث معك من موقع الحاجة إليك والرغبة في الحصول على لفتة من كرمك ونظرة من رحمتك، لأنّك سرّ وجودنا ومعنى الامتداد في مسيرة هذا الوجود، وهو الذي يعبّر عن الاعتراف بألوهيتك في خط عبوديّتنا لك، على أساس المضمون الإيماني الذي تتحرّك فيه كل مفردات العقيدة والحياة في تعداد متنوّع الأبعاد والأساليب في روح عبادية تعبيرية عن كل ما يفكّر به الإنسان ويُحسّه ليعرضه أمام الله، حيث يمثّل ذلك اعترافا وإقراراً وإخلاصاً بما يعتقد أنّه الحقيقة الخاضعة لكلمات الله ورسالاته، حيث تتميّز عبادة الدعاء عن أيّ عبادة أخرى في تنويع الأفكار والأوضاع، فلا تجد هناك تشريعاً محدّداً في الكيفيّة والكمية، فللإنسان أن يدعو ربّه وهو قائم أو قاعد أو مستلقٍ على ظهره أو راكع أو ساجد أو واقف أو سائر، ولا توجد كلمات محدّدة لما يقوله في الدعاء، ولا لغات معيّنة، بل يمكنه الدعاء بأيّة لغة وأيّة كلمة في أيّ مضمون روحي أو شعوري أو فكري مما يريد أن يقدِّمه الإنسان بين يدي الله.. وبهذا كان الدعاء عبادة متحركة على أكثر من صعيد، ومنفتحة على كلّ إنسان بحيث ينطلق فيها الإنسان بشكل عفويّ عند حدوث أيّة مشكلة أو طروء أيّة حاجة لا يرى فيها لقدرته مجالاً لحلّ المشكلة أو لقضاء الحاجة فيلجأ إلى أن يرفعها لله.

وهو الذي ينمّي في روح الإنسان الصلة الروحية بالله حيث يشعر بأنّ الله قريب منه ومن آلامه وآماله ومشاكله وحاجاته، ليفتح عليه أبواب رحمته فيخفف عنه ما ثقل عليه من ذلك، وليقضي له ما صَعُب منها فيجد حاجته عند ربّه بما لا يجدها عند غيره، وهذا هو ما عبّرت عنه الآية الكريمة: “وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ” (البقرة:186).

ويتصاعد الاهتمام بهذه العبادة الدعائيّة حيث تمثِّل الدعوة الحاسمة التي تجعل من الإقبال عليها مظهراً للعبادة الخالصة المنفتحة على معنى عبوديّة الإنسان لله، كما تجعل من الابتعاد عنها مظهراً من مظاهر الاستكبار عن عبادة الله الذي يؤدي إلى دخول جهنّم، وهذا هو قوله تعالى: “.. ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ” (غافر:60).

المصدر: كتاب في رحاب الدعاء
العلامة محمد حسين فضل الله

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *