الحضارة الإسلامية حضارة عقلية

يؤثر المنهج وطريقة التفكير تأثيراً بالغ الأهمية على أسلوب الحياة، وطريقة التعامل، وصيغة الحضارة التي يصنعها الإنسان.

فإن ما نشاهده من أنماط مختلفة من أحداث التاريخ، وصيغ الحضارات، وأنواع العلوم والمعارف التي تظهر في كل مرحلة من مراحل التأريخ، يرجع في الأساس إلى طريقة تفكير الإنسان ونهج تعامله مع الموجودات، ومدى قدرة هذا التفكير والمنهج على الاستيعاب والتشخيص.

وإذا شئنا دراسة تأريخ الحضارات والمقارنة بينها نجد أن حضارة الإسلام هي حضارة عملاقة تبتني أصولها على منهج عقلي متميز، وتقوم على طريقة خاصة في البحث والتفكير والفهم، بدرجة يظهر معها تأثير هذا الاتجاه واضحاً على العلوم والمعارف والنشاطات الفكرية والسلوكية للإنسان. ويكمن السر الأعمق في وجود هذا المنهج في الأساس الفكري للحضارة الإسلامية، وهو عقيدة التوحيد التي تتميز بأنها عقيدة العقل والمنطق العقلي السليم.

ويساهم هذا الطابع العقلي للحضارة الإسلامية مساهمة فعالة في بقائها وامتداد تأثيرها، وفي حمايتها من الاتجاه المادي الذي جر على البشرية الآلام والويلات.

وإذا شئنا دراسة وتحليل وحدة البناء الحضاري في المجتمع الإسلامي لاكتشاف الطابع العقلي والمنهج الحضاري في حياتهم لشاهدنا ما يلي:

1. أن منهج التفكير العقائدي هو منهج عقلي عند المسلمين.

2. أن للعقل دوره الفعال في عملية الكشف عن الأحكام والقوانين الشرعية كشفاً ملتزماً بقواعد الشريعة ومفاهيمها.

3. أن منهج السلوك والأخلاق منهج عقلي، أي أن العقل يقود ويوجه السلوك والأخلاق، بخلاف المناهج المادية التي يقوم السلوك والأخلاق فيها على أساس اللذة والمنفعة المادية.

4. إن منهج البحث والتفكير العلمي يبتني على أسس ذات طابع عقلي، وأن هذا الاتجاه يمتد أثره ليشمل المجال التجريبي أيضاً. فالباحث الإسلامي لا يفصل بين المنهجين فصلاً تاماً، وإنما يعتبر العمل التجريبي مرحلة تطبيقية من مراحل المنهج العقلي لاكتشاف الواقع المادي اكتشافاً عقلياً عن طريق الوسائل المادية، كما يكون العقل هو المرجع في تفسير وتقويم النتائج التي تتوصل إليها التجارب.

5. أن الاتجاه العقلي في الإسلام لا يبتعد عن ملاحظة الجانب العملي، بل هو محاولة عقلية لكشف الواقع وتفسيره.

وبهذه المظاهر العقلية للحضارة والحياة الإسلامية اصطبغت الحضارة والحياة بالصبغة العقلية وتميزت بها. وبذا حق لنا أن نسمي الحضارة الإسلامية حضارة عقلية لأنها تقوم على أساس المنهج العقلي وتقدس العقل وتجعله قائداً للحياة.

 

المصدر: كتاب مكانة العقل والعلم في الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *