الإرادة تصنع علما

كان ابن قرية، وكان أبوه دباغ جلود، وكانت عائلته فقيرة ومعدمة..

وعندما بدأ الدراسة لم يعرف برجاحة خاصة في عقله ولا بامتياز في ذكائه، بل قال عنه معلمه: “إنه ولد وديع رقيق، ولكنه بعيد كل البعد عن الذكاء”.

واصل الدراسة فترة من الزمن ثم داهمه المرض، فعاد أدراجه إلى بيت أبيه، حتى إذا استرد صحته استأنف مسيرة التعلم من جديد.

كانت بداياته متواضعة جدا، غير أنه استطاع أن يحرز نجاحا باهراً في مجال الطب استفاد منه ولا يزال ملايين البشر، وأقيمت باسمه جامعات ومعاهد، ومستشفيات وشوارع وميادين في كل أنحاء العالم.

إنه لويس باستور الذي ولد في دول بفرنسا وعاش فترة طفولته في قرية صغيرة اسمها اربويز. ولولا إرادته الفولاذية لربما كان مثل غالبية الناس ممن عاشوا وماتوا دون أن ينفعوا أحدا أو ينتفع بهم أحد.

لكنه ما أن وضع رجله في المدرسة حتى أخذ الدراسة مأخذ الجد، وعلى الرغم من الفقر الذي عاناه والجوع الذي كان يتضور منه، إلا أنه انكب على القراءة والمطالعة والبحث حتى نسي ما كان يعانيه، وقد كتب مرة: “الجوع يضورني، والصداع يقتتل في رأسي، ولكن الجوع ينسيني الألم، والألم ينسيني الجوع“.

ولقد كان معلمه لا يثق به، ويتنبأ له بالفشل إلا أن رأيه هو في نفسه كان يختلف.. ولقد كان ملحاحا في طلب العلم فكان يمطر معلمه بالأسئلة حتى قال له هذا الأخير ذات يوم: أضجرتني، لا تلح، لا تسأل، إن واجبك كتلميذ يفرض عليك أن تجيب عما يطرح عليك من الأسئلة، لا أن تسأل أنت”.

كانت الإرادة هي قائدته في الحياة، وبمقدار ما كانت بداياته متواضعة فقد كانت إرادته فولاذية، وهي التي حملته على تخطي الصعاب التي اعترضت حياته الشخصية، والعلمية. وبها نهض بالتبعات الجسام التي أثقلت كاهله.

ولقد قال ذات مرة: “أهم الكلمات ثلاث: الإرادة، والصبر، والعمل. إنها أحجار الزاوية في النجاح، وعليها سوف أبني بنائي في الحياة“.

وقال أيضا: “بالإرادة تفتح مصاريع الأبواب، وتسهل الصعاب في رحلة تتطلب الصبر والإيمان ولاشك في أننا بها نصل إلى النجاح“.

وقد اعتمد فعلا على الإرادة والصبر والعمل كما قال، فانكب يبحث ويحلل ويقرأ ويفكر ويجرب، حتى أنه كان أحياناً ينسى ما يجري حوله.

وعلى الرغم من أنه كثيرا ما كان يفشل في أعماله وأبحاثه، إلا أنه لم يكن ييأس، بل كلما فشل كانت تتقوى إرادته، وتزداد حماسته لمواصلة العمل. وقد قال مرة: “لا أتردد عن التضحية بنفسي إن دعاني إلى ذلك داعي الواجب الذي أشعر بأنه يتكون ويتجسد“.

ولقد توج حياته باكتشافاته الطبية الهامة وتأسيسه لعلم ميكروبولوجي، وأنواع التطعيم التي اكتشفها لكثير من الأمراض، واعتماد أسلوب التعقيم الذي عرف باسمه في اللغة الانجليزية والفرنسية ولغات أخرى. وبهذا أنقذ عشرات الألوف من الناس من تلك الأمراض.

مفاتيح النجاح
تأليف السيد هادي المدرسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *