أثر التقوى على ذرية الإنسان

by

أثر التقوى على ذرية الإنسان

التقوى في القرآن
تاليف: السيد كمال الحيدري


أشار القرآن إلى آثار التقوى بالنسبة إلى ذرية الإنسان، حيث نجد ذلك في قصة ذلك العبد الصالح مع النبي موسى عليه السلام أن القرآن يحدثنا بقوله تعالى: فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (الكهف:77)

فكان الجواب من العبد الصالح : وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا (الكهف:82). ففي الآية الكريمة دلالة واضحة على أن صلاح الآباء له آثار طيبة على سعادة الأبناء. فعن زرارة وحمران، عن أبي جعفر الباقر وأبي عبدالله الصادق (عليهما السلام) قال: يحفظ الأطفال بأعمال آبائهم، كما حفظ الله الغلامين بصلاح أبيهما” (تفسير العياشي ج2 ص363).

نظير هذه الآية قوله تعالى: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا (النساء:9)، حيث لم تؤمر الناس بالترحم والترؤف ونحو ذلك، بل بالخشية واتقاء الله، وليس إلا أنه تهديد بحلول ما أحلّوا بأيتام الناس، من إبطال حقوقهم وأكل مالهم ظلما، بأيتام أنفسهم بعدهم، وارتداد المصائب التي أوردوها عليهم إلى ذريتهم بعدهم.

لا يقتصر الأمر على الآثار الفردية للتقوى في الدنيا، بل أشار القرآن الكريم إلى الآثار الاجتماعية المترتبة على التقوى في هذه النشأة، قال تعالى : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (الأعراف:96)، أي أن أهل القرى لو آمنوا واتقوا لفتح الله سبحانه بركات السماء من الأمطار والثلوج والحر والبرد وغير ذلك، كل في موقعه وبالمقدار النافع منه، وبركات الأرض من النبات والفواكه والأمن وغيرها، وهذا خير دليل على أن افتتاح أبواب البركات مسبب لإيمان أهل القرى جميعاً وتقواهم، أي أن ذلك من آثار إيمان النوع الإنساني وتقواه.

نظير هذه الآية قول تعالى: وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا (الجن:16)، والمراد بالطريقة: طريقة الإسلام، والاستقامة عليها: لزومها والثبات عليها، على ما تقتضيه من الإيمان بالله وآياته. والماء الغدق: الكثير منه.

ولا يبعد أن يستفاد من السياق أن قوله تعالى “لأسقيناهم ماءً غدقاً” مثلٌ أُريد به التوسعة في الرزق، ويؤيده قوله تعالى بعد هذه الآية “وأنه لو استقاموا” أي الجن والإنس على طريقة الإسلام لله، لرزقناهم رزقا كثيرا لنمتّعهم في رزقهم.

أجل يبقى الكلام في معرفة كيف أن الاستقامة على طريقة الإسلام وهداه، تكون سبباً في لفتح بركات السماء والأرض على الإنسان، وما هي العلاقة القائمة بين الإيمان والتقوى وبين الرزق الكثير الوافر. وهذه ما نحاول الوقوف عليه عند عرض الآثار السلبية للفجور في هذه النشأة في المقالات القادمة من هذه السلسلة.