أبعاد الدعـاء

أبعاد الدعاء

للدعاء أبعاد ثلاثة، ولكلٍّ منها أهمّيته الخاصّة:

 أوّلاً: الدعاء لعرض الطلب والرغبة على الله تعالى:

كأن يغفر الذنوب، ويمدّ في العمر، وطلب السلامة، وشفاء المريض، وسلامة المسافر، وحلّ المشاكل، وطلب المال، وقضاء حوائج الدنيا، وغير ذلك ممّا يُطلب في الدعاء عادةً.

والباري تعالى وعد بالإجابة إن كان الدعاء والطلب حقيقيّاً، لا مجرّد لقلقة لسان، ولا يتعارض مع مصلحة أُخرى، كأن يكون في طلب شيء فيه نفع لك، ولكنّه ذو ضرر على غيرك، فيدعو هو وتدعو أنت أيضاً، فيمكن أن يُستجاب دعاؤه دون دعائك.

والدعاء هو أحد أسباب الخلقة، وهو علّة في سلسلة العلل والعوامل، وليس – كما ربّما يُتوهّم – نقضاً لسلسلة العلّة والمعلول، ولا خرقاً لقانون العلّيّة في الخلق، بل الدعاء في نفسه علّة من العلل، فمن أوجد قانون جاذبيّة الأرض، وقانون الذرّة، وسائر القوانين المرتبطة بسيرورة الطبيعة والحياة المادية، هو بعينه جعل قانوناً طبيعياً آخر مفاده: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (غافر/ 60)، ليصير هذا القانون أيضاً داخلاً في سلسلة العلل والعوامل والأسباب، طبعاً، بشرطه وشروطه، وفي مقدّمة هذه الشروط: أن يكون الدعاء واقعيّاً وحقيقيّاً ونابعاً من القلب.

 ثانياً: المعرفة:

تشكّل الأدعية المأثورة عن الأئمة – عليهم السلام – بحراً من المعارف الإسلاميّة، وإنّي أظنّ أنّه لو جُمعت كلّ الروايات المتضمّنة لبيان المعارف فإنّها تكون أقلّ من المعارف الواردة في الأدعية.

فالمعارف الإسلاميّة في أدعية الصحيفة السجاديّة، ودعاء أبي حمزة الثمالي، والمناجاة الشعبانيّة، ودعاء كميل، و.. كثيرة جدّاً، بل إنّ كلّ دعاءٍ من أدعية الصحيفة السجادية هو كتاب للمعارف الإلهية في مختلف الموضوعات، وفهم هذه الأدعية يجعل الإنسان على معرفة بالإسلام الحقيقي، ويُبعده عن الشبهات والخرافات، فأهل الخرافات هم – في الغالب – أناس بعيدون عن الأدعية ولا طريق لهم إلى المعارف الحقيقيّة، وأمّا التأمّل والتدبر في الادعية من شأنه أن يرشدنا إلى كلا الجانبين: ما يجب الاعتقاد والإيمان به، وما يجب رفضه وردّه، على حدٍّ سواء.

ثالثاً: العلاقة والارتباط بالله:

ومن هذه الزاوية، يتحوّل الدعاء إلى هدف، ولا يكون مجرّد وسيلة؛ إذ بهذه النظرة يكون الدعاء هو العلاقة نفسها بين الإنسان وبين الله عزّ وجلّ، ويكون الدعاء هو الذي يؤمّن ذلك الإحساس الثمين الذي نحتاج إليه.

إنّ جميع الأشياء في هذه الدنيا مرتبطة بالذات الربوبيّة المقدّسة، والإنسان كذلك، باعتباره أشرف المخلوقات فوجوده مرتبط بالذات الإلهيّة، وهذا الإحساس والشعور يمنح الإنسان حالة معنويّة راقية من العروج والسلوك. وهذا في الحقيقة أعظم فوائد الدعاء وأجلّها على الإطلاق، وهو ما يستفاد من الأدعية المأثورة عن النبي الأكرم (ص) والأئمّة المعصومين – عليهم السلام – وكيف أنّهم – عليهم السلام – كانوا ينسون أنفسهم في مناجاة ربّهم.

وقد لحقت بالبشرية اليوم خسائر عظمى جرّاء انعدام هذا الإحساس عند البشر، وإن كنّا نرى بأنّ هذه الخسائر في مجتمعنا هي أقلّ منها في المجتمعات الأخرى؛ لأنّ الناس هنا يعدّون أنفسهم على ارتباط وصلةٍ بالله عزّ وجلّ، ويعترفون بأنّهم عبيد له، وكلّما زاد هذا الإحساس عندنا، كلّما حالفنا التوفيق والنجاح أكثر.

إن من يمتلك شعور الارتباط بالله فهو سعيد قطعاً؛ لأنّ منشأ مصائب الإنسان، هو إمّا الإحساس بالذلّ واليأس والوحدة والضعف، وإمّا الطغيان والاعتداء على الآخرين. وإنّ شقاء أكثر الشعوب والأُمم والمجتمعات والأفراد وتعاستها ناشئة من العجز والضعف والإحساس بعدم وجود الناصر والمعين، ما يجعلها تعيش حالة الوحدة أو الغربة الموحشة.

فارتباط الإنسان بالله معناه الارتباط بمركز القدرة والعلم، فهو ليس، ولا يمكن أن يكون وحيداً ما دام الله تعالى معه، وما دام هو مرتبطاً به عزّ وجلّ، كما ورد في دعاء الفرج المروي عن النبي الأعظم (ص):

المصدر: أبعاد الدعاء وفوائده

http://www.balagh.com/pages/tex.php?tid=5916

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *