التفكير مقدمة لحصول الإيمان

by

إن الإنسان وإن فكر وحصل على النتيجة المطلوبة، وهي أن الآخرة هي الأبقى والأدوم والأحسن إلا أنه لن يعمل من أجلها إلا بعد أن يحصل له الإيمان بهذه الأمور.

وهذا الأمر من طبع الإنسان ذاته، فهو لا يضع يده في النار –مثلاً- لا لأنه يعلم فقط بأنها تحرق، بل لأنه يعلم ويؤمن بذلك. وإلا فإن الطفل الذي لم تحترق يده بالنار بعدُ يُدخلها فيها وإن أُخبر وعلم بأنها حارة محرقة، ولا يمتنع عنها إلا بعد أن تحرق يده ويؤمن بذلك.

إن كثيراً منا وإن بلغنا الثلاثين أو الأربعين أو حتى الخمسين، لا زلنا نعيش بفكر الأطفال لا بفكر البالغين. فنحن لا نشك بالقرآن والروايات الشريفة ونعلم بالمعاد والآخرة ولكننا لا نؤمن ولا نعتقد بذلك كاعتقادنا بأن السم قاتل، والدليل على ذلك هو عدم إقدامنا على شرب السم القاتل وإقدامنا كل يوم على ارتكاب المعاصي والأعمال المحرمة التي تفوق آثارها الآثار الزائلة للسم الدنيوي وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ (النمل:44).

فالتفكير مقدمة لحصول إيمان القلب. فإذا حصل الإيمان في قلب الإنسان أثّر في جوارحه، ولذا فإنه لا يبكي من خشية الله تعالى ولا لذكر مصيبة الحسين (عليه السلام) ولا يصرخ من الألم إلا عند حصول هذه الحالة القلبية لديه، وإلى هذا أشارت الرواية الشريفة “نبّه بالفكر قلبك” بجعله يعيش هذه الحالة، وإلا فقد يعبد الإنسان ربه سنين طويلة وهو معتاد على عبادته لا عن وعي ولا عن حالة الخضوع والخشوع القلبية المطلوبة، ومثلها ما ورد عنه صلى الله عليه وآله حينما رأى شخصاً يلعب بلحيته في صلاته، فقال (ص) “لو خشع قلبه لخشعت جوارحه” (دعائم الإسلام، 1:174). وعلى هذا الأمر أكثرنا، فما من مصيبة أو مسألة أو مشكلة إلا ونتذكرها في صلاتنا لأن هذه الصلاة فيها كل شيء إلا ذكر الله “وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي” (طه:14)، ولهذا وغيره كان “تفكر ساعة خير من عبادة سبعين سنة” (نور البراهين لنعمة الله الجزائري، 1:79)

أقسام التفكير

والتفكير بعد هذا على قسمين بلحاظ حصوله:

القسم الأول: هو التفكير عن تقليد، وهذا قد يزول لأن من “أخذ دينه من أفواه الرجال أزالته الرجال” (المحتضر، للحسن بن سليمان الحلي، ص3)

القسم الثاني: وهو التفكير القائم على أساس المنطق القويم والاستدلال الصحيح، وقد أشار الفيض الكاشاني إلى ثمرات هذا القسم بقوله:

وأما ثمرة الفكر فهي العلوم والأحوال والأعمال ولكن ثمرتها الخاصة العلم لا غير. نعم إذا حصل العلم في القلب تغير حال القلب، وإذا تغير القلب تغيرت أعمال الجوارح، فالعمل تابع للحال والحال تابع للعلم، والعلم تابع للفكر. فالفكر إذن هو المبدأ والمفتاح للخيرات كلها، وهذا هو الذي يكشف لك عن فضيلة التفكر وأنه خير من الذكر والتذكر، لأن في الفكر ذكراً وزيادة، وذكر القلب خير من عمل الجوارح بل شرف العمل لما فيه من الذكر. فإن التفكر أفضل من جملة الأعمال ولذلك قيل تفكر ساعة خير من عبادة سنة، وقيل: هو الذي ينقل من المكاره إلى المحاب ومن الرغبة والحرص إلى الزهد والقناعة، وقيل: هو الذي يحدث مشاهدة وتقوى، ولذلك قال تعالى “لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا” (طه:114)

المصدر: التربية الروحية – بحوث في جهاد النفس

للسيد كمال الحيدري

دار الكتاب العربي